يوسف المرعشلي
1519
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
أدبية متينة ، فكيف لا يفهم الشاذلي خزنه دار ؟ وهل يحجر عليه دراسة أدب خزنه دار لأنه أجنبي عنا ؟ إن تراث خزنه دار يحق لكل عالم بالعربية وآدابها دراسته سواء كان مشرقيّا أو مغربيّا ، والعلم والأدب يتعاليان عن قيود السياسة في تحديد الأقطار لأنهما لا وطن لهما ، وحسب منطق هؤلاء هل يحجر على التونسي أو غيره من أبناء العربية دراسة شعر الرصافي أو الزهاوي العراقيين ؟ بحجة أنهما أجنبيان ، سبحان اللّه ، الإنسان في فورة الاندفاع والحماس يكتب أحيانا ما يقبل ، وأتذكر أني زرته في منزله أثناء هذه المعركة ، وسألني هل أنا متتبع لها ؟ فأجبته بالإيجاب ، ودار نقاش بيننا حول شاعرية خزنه دار ، وقلت له : بأن شعر خزنه دار كسيح لا يحلق وقريب الغور ، ولولا ما فيه من حسن سبك وموسيقى وخدمة للأغراض الوطنية لعد نظما مبتذلا ، وأنت تدافع بحماس عن قضية غير مضمونة النجاح ، فلم يهضم هذا الكلام ، وأطلعني على أبيات لخزنه دار في تهنئته بميلاد ابنه عياض بعد تفتيش في مخبئاته ، وقرأت الأبيات : هذا ما يؤكد عندي ضعف شعر خزنه دار ، وكأنه يريد أن يدلل على أنه شخصية مرموقة بهذه التهنئة الصادرة من أمير الشعراء بتونس ، وقد نشر هذه التهنئة بمجلة الفكر أثناء دفاعه عن خزنه دار ، وكانت محل تفكّه تندّر لدى كثير ممن سمعت . وسمعت منه في مجالسه أنه كان على صلة بالشيخ محمود موسى مفتي المنستير وشاعرها يجلس معه المقهى بعد الفراغ من العمل ، ويسهر أحيانا في داره إلى أن تشيب ذوائب الليل ، وحكى لي كثيرا من نوادره وطرائفه ووصفه بسلاطة اللسان والمجابهة بالمكروه ، وحكى لي أحداثا تثبت ذلك ، وأثنى على علمه وأدبه واطلاعه ، وكانت له صلة بالشيخ أحمد أديب مكي ( من مكة المكرمة ) نزيل سوسة الكاتب بإدارة ملها ، وذكر لي طرفا من نوادره وطرائفه ، وإنه كان سليط اللسان ، محدّثا فقيها راوية للأدب العربي لغويّا شاعرا ، وإن الشيخ محمد موسى نعته بأن الشعر أقل خلاله . وهكذا كانت مجالسنا لا تخلو من أمثال هذه أحاديث ، ومن الخوض في السياسة والأدب والتاريخ اللغة والتفسير والحديث ، وكان جيد المشاركة في هذه الفنون إلا في السياسة وعلم الحديث فإنه ضعيف فيهما ولا يعرف من أصولهما شيئا يعتدّ به . ولم يكن يحسن الظن بالشيخ محمد مخلوف المنستيري مؤلف « شجرة النور الزكية » ، ويتشبث بحكاية ذكرها في كتابه تدل على قبوريته وعقليته القابلة لتصديق الخرافات ، وكنت أبيّن له أن هذا يجافي الإنصاف لأن كتابه ليس خاليا من أية قيمة علمية ، ومثل هذه الحكاية لا تسلب الكتاب مزاياه الأخرى العديدة ، وإن كان عليه مآخذ أخرى في المنهج وميله إلى السجع في كتابته ، والانصاف يدعو إلى ذكر ماله وما عليه ، ولا تكون حكاية عابرة أو زلقة سالبة له من كل قيمة ، فكان يصر على رأيه قائلا : هذا رأيي فيه ويورد حكايات على أنه فقيه غير مجيد لما يتعاطاه من تراجم وتاريخ ، وأنه يحسن النقل من الكتب بأمانة ، ولا فكرة نقدية أو تحليلية عنده ، وأثنيت له على سعة اطلاعه وتراجم المتأخرين من التونسيين ، وذكرت له أن عنايته بالتاريخ وتراجم التونسيين تدعوانه إلى مراجعة الكتاب اتباعا لمنهج العمل في الاستقصاء ، وإذا كان له خطأ أو مأخذ يقع تبيينه ، فكان يجيب أنه لا يضيع وقته في تتبع كتاب لا قيمة له في نظره وأنه لا يملكه ولا يطالعه ، ومع ذلك فقد طلب مني ذات مرة تراجم بعض رجال من الساحل لا توجد إلا فيه ، وأشعرته بالاستمداد منه والاقتصار عليه . توفي رحمه اللّه يوم الأحد في 5 شعبان 1398 / 30 ( جويلية ) تموز 1978 بعد إجراء عملية جراحية . مؤلفاته : - « تاريخ الأدب التونسي » . حاول فيه دراسة العوامل والتيارات الكبرى التي أثرت فيه والترجمة لأعلام رجاله ، في مجلد مخطوط . - « أبطال الجلاء في المغرب العربي » . مخطوط . - « تونس في مواكب الحضارات والعصور » . في جزئين ، طبع منه القسم الذي يبتدئ بالعصر الحفصي وينتهي بالاحتلال الفرنسي باسم « المغرب العربي في سبعة قرون بين الازدهار والذبول » ، ولم يشر في المقدمة أدنى إشارة إلى ما بذلته معه من مجهودات وقدمت له من إعانات وهكذا تكون الأخلاق والأمانة .